عندما غُمر اللبنانيون بسيول من الوعود النارية والتهديدات الزلزالية، قيل لهم إن الجليل في متناول وحدات الرضوان، وأن خزان الأمونيا في حيفا سيُمحى، وأن أبراج تل أبيب ومباني مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي ووزارة الدفاع لن تصمد أمام الساعة صفر.
شُحنت العقول بخطاب "الردع" و"تغيير قواعد الاشتباك"، كما لو أن الحرب القادمة ستكون استعراضاً للقوة بدلاً من اختبار للبقاء. لكن لحظة الحقيقة جاءت على النقيض تماماً: لا توغل، لا ضربات استراتيجية، لا صور للنصر - فقط الاغتيال المنهجي لقادة من الصف الأول والثاني والثالث، بلغ ذروته باغتيال أمينين عامين، بينما دُمر الجنوب، وتعرت الضاحية الجنوبية، وانكشفت واحدة من أكثر الضربات الاستخبارية تدميراً التي تعرض لها الحزب منذ تأسيسه.
تبخر كل ما قيل عن الجاهزية، وثبت أن كل ما روّج له عن "بنك الأهداف" كان مجرد خطاب للاستهلاك المحلي. الحزب الذي ادعى أنه يمتلك زمام المبادرة انكشف عجزه حتى عن حماية قيادته. تُعقب القادة ورُصدوا واغتيلوا بدقة جراحية، بينما بقيت المنظمة صامتة أو اكتفت ببيانات جوفاء نمطية لم تغير شيئاً في ميزان القوى. هذا ليس صموداً ولا صبراً استراتيجياً؛ إنه عجز صارخ ملفوف بشعارات فارغة.
أخطر من الخسارة العسكرية هو الإنكار المرضي - إنكار الهزيمة، إنكار الاختراق، إنكار الكلفة البشرية والمادية - كما لو أن الحزب اختار الهروب إلى الأمام بدلاً من مواجهة الحقيقة المرة. الجنوب، الذي قيل إنه خط الدفاع الأول، تُرك وحيداً تحت النار؛ والضاحية، التي قيل إنها محصنة، تحولت إلى ساحة مفتوحة؛ والقاعدة الشعبية التي دُفعت إلى الحرب باسم "النصر الإلهي" تُركت اليوم لتحصي خسائرها المذهلة دون اعتراف أو محاسبة.
رغم كل هذا، يستمر حزب الله بعناد في رفض تسليم سلاحه، في وقت باتت فيه إسرائيل أقرب من أي وقت مضى إلى توجيه ضربة حاسمة قد لا تُبقي من بنيته العسكرية سوى الاسم. يرفض لأنه غير راغب في الاعتراف بالهزيمة، أو لأنه لا يريد التخلي عن سلاح لم يعد أداة مقاومة بل أصبح أداة سلطة داخلية وابتزاز سياسي.
سلاح لم يردع الحرب، ولم يمنع الاغتيالات، ولم يحمِ الأرض أو الناس - ومع ذلك لا يزال يُستخدم لشل الدولة، ومصادرة قرارها، والتحكم بمصير اللبنانيين.
الدولة اللبنانية، في هذه الأثناء، تبدو إما شاهد إثبات أو رهينة صامتة. عاجزة عن نزع السلاح، عاجزة عن فرض سيادتها، عاجزة حتى عن حماية مواطنيها من عواقب مغامرات انتحارية لم يختاروها. تغير الرئيس، لكن الواقع المأساوي لم يتغير؛ تغيرت الوجوه، لكن البلد لا يزال رهينة منظمة مسلحة تتصرف كما لو أنها فوق الدولة، وفوق الشعب، وفوق أي محاسبة أو قانون. لا حرب تُقرر في مجلس الوزراء، ولا سلام يُناقش في المؤسسات؛ بل تُتخذ القرارات المصيرية في غرف مغلقة وتُفرض على ملايين اللبنانيين بالقوة الغاشمة.
هذا الحزب لم يسأل يوماً عن مصالح لبنان ولن يفعل أبداً. مشروعه عابر للحدود، وسلاحه ليس مخصصاً للدفاع عن الدولة بل لإبقائها ضعيفة، محطمة، ومُذلة - يُستخدم عند الحاجة ويُعطل عندما يحين الخطر. وعندما تنكشف الأكاذيب الصارخة وتنهار الأساطير الجوفاء، يُطلب من الناس الصمت الأبدي، ومن الضحايا الصبر اللامتناهي، ومن الدولة التواطؤ المشين.
الحقيقة القاسية هي أن لبنان لا يُدمر لأنه ضعيف، بل لأنه مخطوف ومنتهك - مخطوف بسلاح خارج المساءلة، وبخطاب أيديولوجي يبرر الفشل الذريع كنصر، وبطبقة سياسية إما عاجزة أو خائفة أو متواطئة. ما لم يُكسر هذا الواقع المدمر وتُستعاد السيادة في اتخاذ القرار، فسيبقى كل ما سمعناه عن "الردع" و"الكرامة" وهماً فارغاً، بينما يُدفع البلد مراراً وتكراراً إلى حافة الانتحار الجماعي باسم قضية لم تشبه يوماً لبنان أو اللبنانيين.

