مقدمة
إن العقوبات الأمريكية الأخيرة التي تستهدف أفراداً مرتبطين بحزب الله، بمن فيهم أعضاء في البرلمان ومسؤولون أمنيون وشخصيات سياسية، هي أكثر من مجرد إعلان روتيني. فبينما كانت العقوبات تقليدياً أداة تستخدمها الولايات المتحدة لمواجهة الشبكات المالية لحزب الله، تشير الإجراءات الأخيرة إلى تحول أوسع في كيفية رؤية المجتمع الدولي للبنان. لسنوات، كان يُنظر إلى مشاكل لبنان بشكل أساسي على أنها قضايا اقتصادية ومالية. وتركزت الحوارات حول التخلف عن سداد الديون السيادية، وانهيار القطاع المصرفي، والدين العام، وإخفاقات الحوكمة، والفساد، وعدم الاستقرار النقدي. والآن، بدأت تظهر نظرة جديدة؛ إذ لم يعد يُنظر إلى لبنان فقط كدولة تعاني من ضائقة مالية، بل أصبح يُنظر إليه بشكل متزايد من خلال عدسة المخاطر الأمنية والجيوسياسية والعقوبات والمخاطر المالية مجتمعة. هذا التحول له تداعيات كبيرة تتجاوز أولئك الذين تستهدفهم العقوبات بشكل مباشر.
من الأزمة المالية إلى أزمة المخاطر المتكاملة
بدأ الانهيار المالي في لبنان كأزمة اقتصادية تقليدية. فقد تخلفت الدولة عن سداد التزامات سندات اليوروبوندز في مارس 2020، وعانى القطاع المصرفي من فقدان هائل للثقة، وواجهت الليرة اللبنانية واحدة من أسوأ الانهيارات النقدية في التاريخ الحديث. لكن الأزمات تتطور. فما بدأ كأزمة مصرفية وديون سيادية أصبح متشابكاً مع التطورات الإقليمية. فقد أعادت التوترات المستمرة بين إسرائيل وحزب الله، وتصاعد العلاقات الأمريكية الإيرانية، والمخاوف الدولية المتزايدة بشأن الحوكمة والامتثال للعقوبات وضوابط مكافحة غسل الأموال، تشكيل ملف المخاطر في لبنان. يواجه لبنان الآن طبقات متعددة من المخاطر: مالية، وسياسية، وأمنية، ومخاطر متعلقة بالعقوبات، ومخاطر مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب. إن دمج هذه المخاطر يخلق تحديات أكثر تعقيداً من أي أزمة منفردة.
لماذا تهتم الأسواق المالية؟
لا تنتظر الأسواق المالية القرارات الرسمية، فهي تتفاعل مع التوقعات والتصورات والمخاطر المستقبلية. وتقوم البنوك الدولية، والمؤسسات المراسلة، وشركات التأمين، والمستثمرون، ومقدمو تمويل التجارة، بتقييم السلطات القضائية باستمرار بناءً على عوامل قانونية وتنظيمية وتشغيلية وتتعلق بالسمعة. عندما تبدأ مؤشرات المخاطر في التقارب، غالباً ما تتخذ هذه المؤسسات نهجاً حذراً. وهذا ما يُعرف بـ "إزالة المخاطر" (De-risking). تحدث عملية إزالة المخاطر عندما تقوم المؤسسات المالية بتقليص أو إنهاء علاقات العمل لأن مخاطر الامتثال والسمعة المتصورة تفوق الفوائد المحتملة. في حالة لبنان، القلق ليس من أن البنوك الدولية ستتخلى عن البلاد فجأة، بل الخطر يكمن في التراكم التدريجي للاحتكاكات المالية. قد تظهر هذه الاحتكاكات في شكل تدقيق أكثر صرامة، وعمليات دفع أبطأ، وتكاليف امتثال أعلى، وصعوبة أكبر في ضم العملاء، وتقليص العلاقات المصرفية، وتشديد تمويل التجارة، وزيادة الرقابة على المعاملات العابرة للحدود. قد تبدو كل خطوة قابلة للإدارة بمفردها، لكنها مجتمعة يمكن أن تضعف الاقتصاد الهش بشكل خطير.

