لأكثر من أربعة عقود، اتسمت السياسة الأمريكية تجاه لبنان بمفارقة مأساوية: في السعي لتحقيق الاستقرار الإقليمي، ضحت واشنطن بشكل منهجي بالسيادة اللبنانية، لتحصد فقط محصولًا من عدم الاستقرار الذي يهدد الآن مصالحها الأكثر حيوية. من انسحاب القوة المتعددة الجنسيات في عام 1984 إلى الموافقة على الوصاية السورية في التسعينيات، أثبتت الاستراتيجية الأمريكية "لإسناد" الأمن اللبناني للخارج أنها فشل استراتيجي كارثي.
1. فخ "الوصاية" السورية (1990-2005)
بدأ الخطأ الأساسي في أواخر الثمانينيات وتم تقنينه بعد اتفاق الطائف عام 1990. واشنطن، التي كانت تسعى للحصول على الدعم السوري لحرب الخليج وتحقيق اختراق في عملية السلام العربية الإسرائيلية، سلمت لبنان بشكل أساسي لنظام الأسد. اعتبر هذا النهج "الاستقرار أولاً" لبنان ورقة مساومة بدلاً من دولة ذات سيادة.
كما يُشار في استعراض مركز بلفر، "Fool Me Twice: How the United States Lost Lebanon—Again"، سمحت فترة "الاستقرار" هذه لدمشق بتفكيك مؤسسات الدولة اللبنانية مع توفير دفيئة خصبة للحرس الثوري الإيراني لتنمية حزب الله. من خلال إعطاء الأولوية "لعملية سلام" لم تتحقق أبدًا، سمحت الولايات المتحدة بتحويل لبنان إلى مركز لوجستي للتوسع الإيراني.
2. الفراغ وصعود "الدولة داخل الدولة"
عندما تحولت الولايات المتحدة أخيرًا في عام 2005 بعد ثورة الأرز، كان الضرر عميقًا بالفعل. ضمنت عقود من الإشراف السوري أن تبقى القوات المسلحة اللبنانية (القوات المسلحة اللبنانية) أدنى من الناحية الهيكلية من ميليشيا حزب الله. لم تمنح السياسة الأمريكية "للاحتواء السلبي"—على أمل أن يؤدي الانخراط السياسي في النهاية إلى اعتدال حزب الله—سوى الوقت الذي يحتاجه الحزب لدمج نفسه في البنية التحتية المالية والأمنية للدولة اللبنانية.
سمح الفشل في المطالبة بنزع سلاح فوري وغير قابل للتفاوض بعد الانسحاب السوري لحزب الله بتحقيق ما تحدده مؤسسة RAND على أنه وضع "دولة موازية". مكّنت سياسة الإهمال هذه بشكل مباشر:
- حرب 2006: صراع لم تختره الدولة اللبنانية لكنها أُجبرت على تحمله.
- الحصار الاستراتيجي: تحويل لبنان إلى قاعدة صواريخ تهدد ممرات الطاقة في شرق البحر الأبيض المتوسط.
- العدوى المالية: استخدام النظام المصرفي اللبناني لتجاوز العقوبات الأمريكية، مما يغذي حروب الحرس الثوري الإقليمية.
3. الإضرار بالمصالح الوطنية الأمريكية
من خلال ترك لبنان لسوريا ولاحقًا لحزب الله، لم تحقق الولايات المتحدة الاستقرار؛ بل خلقت عجزًا أمنيًا. تؤكد التقييمات الحالية من CSIS (2025) أن لبنان "الذي تهيمن عليه الميليشيات" أصبح مصدرًا رئيسيًا لعدم الاستقرار الإقليمي والمخدرات (الكبتاجون) والأسلحة المتقدمة.
أشار إرث "القطع والهروب" لعام 1984 و"الاستقرار المُسند للخارج" في التسعينيات إلى خصوم أمريكا أن لبنان كان مسرحًا مفتوحًا للحرب بالوكالة. وقد ألحق هذا ضررًا مباشرًا بالمصالح الأمريكية من خلال:
- تمكين إيران: منح طهران ساحلاً على البحر الأبيض المتوسط وحق النقض على السلام الإقليمي.
- زعزعة استقرار الحلفاء: فرض ضغط عسكري وضغط اللاجئين المستمر على الجيران إسرائيل والأردن.
- تآكل المصداقية: إظهار للبنانيين الموالين للغرب أن واشنطن تقدر "الصفقة" على "الحليف".
الخلاصة: نهاية "التراجع المُدار"
الدرس من السنوات الأربعين الماضية واضح: أي سياسة أمريكية لا تعطي الأولوية لاستعادة احتكار الدولة للعنف هي سياسة تساعد أعداء أمريكا بنشاط. لقد وصل "التراجع المُدار" للسيادة اللبنانية إلى نهايته. اليوم، حيث يصف المبعوثون الأمريكيون لبنان بشكل متزايد بأنه "دولة فاشلة" (حوار المنامة، 2025)، حان الوقت للاعتراف بأن الطريقة الوحيدة لحماية المصالح الأمريكية هي كسر دورة "الإسناد للخارج" والمطالبة بنزع السلاح الكامل لحزب الله كشرط مسبق لأي مشاركة مستقبلية.
