سقط القناع، ولم يعد ممكناً اليوم تسويق الأكاذيب ذاتها عن "محور المقاومة" أو "جبهة الصمود" أو "مشروع التحرير". ما نشهده ليس تصعيداً عابراً، بل نهاية تحالف شيطاني كامل بُني على الخراب، وتغذى بدماء الشعوب، وأتقن المتاجرة بالقضايا من أجل الحكم بالحديد والنار. هذا التحالف، الذي جمع بين نظام الملالي في إيران وحزب الله ونظام الأسد وفنزويلا نيكولاس مادورو، لم يكن يوماً جبهة كرامة، بل شبكة سوداء من المصالح توحدها العداوة للعالم بدلاً من حب الأوطان.
من طهران إلى الضاحية الجنوبية لبيروت، ومن اليمن إلى غزة، ومن دمشق إلى كاراكاس، تشكل تحالف لا يشبه سوى نفسه: أنظمة فاشلة، وميليشيات فوق الدولة، واقتصاد ظل، وتهريب، ومخدرات، وغسيل أموال، وأسلحة موجهة إلى صدور الشعوب قبل أي عدو خارجي. تحولت فنزويلا إلى دولة منهوبة بشعب مشرد، ولبنان إلى رهينة - قراره واقتصاده ومستقبله مخطوف، مختزل إلى صندوق بريد إيراني ورسالة نار على حدود الآخرين.
أما إيران، ما يسمى بـ "قائد المحور"، فهي اليوم تنهار من الداخل. في شوارع طهران وعبر مدنها، ينتفض الشعب الإيراني ضد نظام الملالي - ليس ضد أمريكا أو إسرائيل، بل ضد القمع والفقر والفساد وسرقة الحياة باسم الدين. انتفاضة تفضح نظاماً عاجزاً عن حكم شعبه، يختار بدلاً من ذلك الهروب إلى الخارج وتصدير أزمته إلى المنطقة. نظام يخاف من شعبه لا يمكنه قيادة مشروع تحرير، ونظام يقتل أبناءه وبناته ليس لديه شرعية لإلقاء المحاضرات على الآخرين عن المقاومة.
يدّعي هذا المحور مواجهة "الاستكبار العالمي"، بينما عدوه الحقيقي هو شعوبه. يتاجر بـ "فلسطين" دون تحرير شبر واحد من الأرض، مستخدماً القضية غطاءً لاحتلال العواصم العربية وتدمير مجتمعاتها. ما كان يُسمى مقاومة لم يكن سوى مافيا عابرة للحدود تحتكر السلاح وتفرض إرادتها بالقوة.
هذا التحالف يسقط لأن عصر الفوضى قد انتهى. العالم لم يعد يتسامح مع دول خارج النظام الدولي وميليشيات بلا محاسبة. ما يتكشف ليس حرباً شاملة، بل تفكيكاً بارداً: خنق اقتصادي، وعزلة سياسية، واستنزاف أمني حتى الانهيار. إيران اليوم في موقع دفاع متآكل، وحزب الله تحول من ورقة قوة إلى عبء قاتل على لبنان وسبب مباشر لعزلته ودماره.
لم يكن لبنان يوماً شريكاً في هذا التحالف، بل ضحيته. اليوم، مع انكشاف المحور والانهيار الأخلاقي لراعيه في طهران، يقف لبنان - رئاسة وحكومة على حد سواء - أمام خيار مصيري: إما الغرق مع تحالف يحتضر، أو قطع الحبل وإنقاذ ما تبقى من وطن.
ما يُندب اليوم ليس مجرد تحالف سياسي، بل كذبة كبرى: كذبة أن السلاح خارج الدولة يحمي السيادة، وأن الميليشيات تصنع الكرامة، وأن الفوضى هي طريق التحرير. سقط "محور المقاومة" لأنه خان شعوبه ودمر أوطانه، ولأن شعوبه ذاتها - وفي مقدمتها الشعب الإيراني - أعلنت التمرد عليه. قد لا يكون السقوط نظيفاً، لكنه نهائي. وسيسجل التاريخ أن أخطر ما واجهته شعوب المنطقة كان تحالفاً ادعى المقاومة، ومارس الاحتلال باسمها، ولم يترك وراءه سوى الخراب والدماء.

