احتكار الدولة للعنف: الأزمة الوجودية للبنان
في عمله المحدد، السياسة كمهنة، عرّف عالم الاجتماع ماكس فيبر الدولة بشكل شهير على أنها "مجتمع بشري يدعي (بنجاح) احتكار الاستخدام المشروع للقوة المادية داخل إقليم معين". هذا المبدأ الأساسي ليس مجرد مثال أكاديمي؛ إنه الأساس العملي للاستقرار والقانون والسيادة. عندما تفقد الدولة هذا الاحتكار، فإنها تتنازل عن شرعيتها وقدرتها على الحكم، متحولة إلى ما هو في الأساس كيان مجزأ أو فاشل.
لفترة طويلة جدًا، وجد لبنان نفسه في هذا الفراغ بالذات—دولة بالاسم، لكنها مشلولة باحتكار القلة للعنف حيث يتم إضعاف الجهاز الأمني الرسمي عمدًا وتطغى عليه الظلال. التحدي الرئيسي لسيادة لبنان، وبالتالي، لتعافيه الاقتصادي ومستقبله الديمقراطي هو وجود جهة فاعلة مسلحة غير تابعة للدولة—حزب الله—الذي يعمل بوكالة عسكرية للحرس الثوري الإيراني خارج إطار الدولة.
تآكل الدولة
أدى التكامل العميق لحزب الله في النظام السياسي، إلى جانب ترسانته الضخمة المدعومة من إيران، إلى إفراغ الدولة اللبنانية بشكل أساسي. هذه القوة العسكرية الموازية، التي تحتفظ بالسلطة المستقلة لشن الحرب واتخاذ قرارات الأمن القومي الاستراتيجية، تنفي بشكل مباشر معيار فيبر الأساسي للدولة.
يخلق هذا الشرخ دورة دائمة من الشلل والفساد:
- الطبقة السياسية، التي تشمل حلفاء حزب الله، تستخدم غياب احتكار القوة لمنع إصلاحات بناء الدولة والتعافي الضرورية.
- يتم بعد ذلك استغلال الضعف المؤسسي الناتج والفساد الواسع (الذي أدى إلى الانهيار المالي) من قبل المجموعة المسلحة للحفاظ على وضعها كـ "دولة داخل الدولة"، وتوفير الخدمات الأساسية والأمن خارج سيطرة الحكومة.
- يضمن هذا الترتيب أن تظل الدولة اللبنانية ضعيفة جدًا لنزع سلاح المجموعة أو لاسترداد المبالغ الضخمة من الأموال العامة المسروقة، مما يحبس الأمة في أزمة دائمة.
الحتمية العاجلة للعمل
يجب على الطبقة السياسية اللبنانية أن تدرك أن استراتيجية شراء الوقت من خلال المواقف السياسية لا تضمن السلام بل تضمن كارثة أكبر. تشير التحذيرات الدولية والتصريحات من الخصوم الإقليميين إلى أن الفشل في تنفيذ احتكار الدولة على القوة فورًا وبقوة يعمل كمحفز مباشر لعملية عسكرية إسرائيلية واسعة النطاق ومدمرة. التأخير المستمر، الناجم عن حسابات سياسية أنانية، يحتجز الأمة بأكملها كرهينة. الإجراء الفوري لنزع سلاح حزب الله—التحرك إلى ما وراء نهر الليطاني، واستعادة الترسانة، وتأمين الحدود—هو السبيل الوحيد لتجنب حرب كارثية. سيجعل فشل النخبة السياسية في أداء الوظيفة الأساسية لدولة ذات سيادة—حماية مواطنيها—مسؤولة بشكل مباشر عن الصراع الناتج، والدمار المالي، وفقدان أرواح لا حصر لها.
الطريق نحو السيادة
تجربة لبنان توضح أن الإصلاح السياسي والتعافي الاقتصادي مستحيلان بدون استعادة السلطة الكاملة والحصرية للدولة أولاً. الحجة القائلة بأن نزع السلاح يجب أن ينتظر توافقًا سياسيًا أو إصلاحًا هي مغالطة خطيرة، لأن القوة المسلحة نفسها هي العائق المركزي لكليهما.
تسلط الدراسات والتحليلات الأخيرة من المؤسسات السياسية الدولية الرائدة الضوء على هذه الحتمية:
- تحليل CNAS (مركز الأمن الأمريكي الجديد) حول القرار الأخير للحكومة اللبنانية لمتابعة احتكار الدولة على الأسلحة (أغسطس 2025) يؤكد النية الرسمية لمعالجة القضية، حتى مع رفض الجهة الفاعلة الرئيسية غير التابعة للدولة القرار.
- وبالمثل، أشار تقرير مجلس الأمن (يوليو 2025) إلى التزام من القيادة اللبنانية الجديدة بجعل 2025 العام الذي تحقق فيه الدولة احتكارًا على الأسلحة، مما يعكس تحولاً في توازن القوى داخل مؤسسات الدولة بعد الصراعات الأخيرة.
لذلك، فإن استعادة احتكار الدولة للعنف هي الخطوة الوحيدة غير القابلة للتفاوض نحو إنشاء جمهورية ذات سيادة حقيقية وحكم ذاتي. هذا ليس مجرد قضية أمنية؛ إنها الحتمية الوجودية والدستورية الأساسية. يجب أن تمتلك الدولة الشرعية الحق الوحيد في حماية شعبها وإنفاذ قوانينها. مستقبل لبنان—اقتصاده وديمقراطيته وقدرته على إعادة الثروة المسروقة—يعتمد بالكامل على أن يصبح الجيش اللبناني وقوات الأمن الشرعية المصدر الوحيد للقوة المادية الشرعية داخل الإقليم. حتى يتم استعادة هذا المبدأ الفيبري الأساسي، سيبقى لبنان وهمًا لدولة، محتجزًا كرهينة من قبل احتكار القلة للسلاح.
