لعقود من الزمن، غالبًا ما تم وصف السياسة الأمريكية تجاه لبنان بشكل خاطئ على أنها مشروع إيثار ديمقراطي أو استقرار إنساني. ومع ذلك، فإن استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 (NSS) والتقييمات الأخيرة من مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) أعادت معايرة هذه الرؤية، متجهة نحو واقعية باردة: لبنان ليس حالة خيرية؛ إنه أصل جغرافي وأمني حاسم في احتواء التحريفية الإيرانية وحماية شرق البحر الأبيض المتوسط.
1. تحييد رأس الجسر الإيراني
من منظور استراتيجي، يمثل لبنان "الجبهة الغربية" للحرس الثوري الإيراني (IRGC). كما أشار معهد غولد للاستراتيجية الدولية (ديسمبر 2025)، فإن استمرار الوضع المسلح لحزب الله يحول لبنان من شريك ذي سيادة إلى قاعدة عمليات متقدمة إيرانية على البحر الأبيض المتوسط. بالنسبة للولايات المتحدة، لم يعد الأمر الاستراتيجي مجرد "إدارة" هذا الوجود بل تسهيل تفكيكه بنشاط. لبنان ذو سيادة—يُعرّف بنزع السلاح الكامل للجهات الفاعلة غير الحكومية—يزيل أقوى أداة لإيران للابتزاز الإقليمي ويقلل بشكل كبير من خطر اشتعال أوسع في الشرق الأوسط من شأنه أن يستلزم تدخلاً عسكريًا أمريكيًا مباشرًا.
2. "حاجز الأمن" المتوسطي
في إطار "أمريكا أولاً" الحالي، تحولت المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط نحو بناء "حاجز أمني افتراضي" ضد تعدي القوى الشرقية، وتحديداً الصين وروسيا. موانئ لبنان في بيروت وطرابلس هي عقد حيوية في هذه العمارة البحرية. لبنان الذي تسيطر عليه طبقة سياسية فاسدة ومتحالفة مع الميليشيات يدعو إلى التوسع البحري الروسي والاستثمار الصيني المفترس في البنية التحتية. على العكس من ذلك، يعمل لبنان المُصلح والموالي للغرب كمرساة شمالية لعمارة اتفاقيات إبراهيم المتوسعة، لتأمين ممرات الطاقة في شرق المتوسط وضمان التدفق الحر للتجارة.
3. إنهاء دورة "تآكل الدولة"
تسلط الأوراق السياسية الأخيرة من CSIS (2025) الضوء على أن "تآكل الدولة" في لبنان يشكل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الأمريكي. يملأ الفراغ الناتج عن دولة لبنانية مفرغة بالشبكات المالية غير المشروعة، والاتجار بالمخدرات (ولا سيما تجارة الكبتاجون)، واللوجستيات الإرهابية. تكمن المصلحة الأمريكية في "شراكة معاملات" مع القوات المسلحة اللبنانية (LAF) والقيادة الجديدة لاستعادة احتكار الدولة على القوة. هذا لا يتعلق فقط بأمن الحدود؛ بل يتعلق بإنهاء "اقتصاد النقد" الذي يستخدمه حزب الله لتجاوز العقوبات العالمية، والذي تقدر تقارير وزارة الخزانة الأمريكية أنه وجه أكثر من مليار دولار من أموال الحرس الثوري عبر القنوات اللبنانية في عام 2025 وحده.
الخلاصة: الواقعية على البلاغة
تبتعد الولايات المتحدة عن تجارب "تغيير النظام" في الماضي لصالح الردع الصارم ونقل الأعباء. لكي يظل لبنان ذا صلة بواشنطن، يجب أن يُظهر فائدة كشريك مستقر وخالٍ من الميليشيات يمكنه تأمين حدوده الخاصة. الخيار الاستراتيجي للبنان ثنائي: إما أن يبقى ساتراب إيراني مزعزع للاستقرار يدعو إلى حرب إقليمية، أو يؤكد سيادته، وينزع سلاح الميليشيات، ويندمج في النظام الأمني الإقليمي الجديد بقيادة الولايات المتحدة. بالنسبة لصانع السياسة الأمريكي، فإن الأخير هو النتيجة الوحيدة التي تبرر الاستثمار الاستراتيجي المستمر في الدولة اللبنانية.
